ابن ظهيرة

69

الجامع اللطيف

كما ستقف عليه ، وهو مجرد تأسيس ، الثانية : بناء الخليل . الثالثة : بناء قريش . الرابعة : بناء ابن الزبير والحجاج ، ويكون البناء الأول والرابع مشتركا . ثم القول بأن ذلك في آنين فهو تأسيس أيضا كما ذكره الفاسي في « شفاء الغرام » لا بناء مرتفع كغيره من الأبنية الآتي وصفها ، لأنه حينئذ يحتاج إلى معرفة السبب في نقض بناء الملائكة على تقدير أوليته حتى بناه آدم ، وفي نقض بناء آدم أن لو كان أولا حتى بنته الملائكة ، كما ستعلمه عند ذكر أسباب الأبنية الآتية إن شاء اللّه تعالى . ولم أر أحدا ذكر ذلك فيما وقفت عليه ولا تعرض لمقدار ارتفاع بناء الملائكة وآدم في السماء كم هو ؟ فيحتمل أنه كان مرتفعا وحفظ من الهدم والتغير إلى أن بنى عليه آدم أو الملائكة على الخلاف أيهما كان أولا ، أو أنه انهدم لتناسخ القرون فبنى ثانيا على ما وجد من الأساس ، أو لم يكن هناك ارتفاع أصلا بل مجرد تأسيس فبنى عليه ، ويحتمل غير ذلك واللّه أعلم بحقائق الأمور . انتهى . وقد آن الشروع في ذكر الأسباب المشار إليها : أما سبب بناء الملائكة عليهم الصلاة والسلام : فروى عن علي بن الحسين رضى اللّه عنهما أنه قال : لما قال اللّه للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( سورة البقرة : 30 ) قالت : أي رب ، خليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ، فغضب عليهم ، فلاذوا بالعرش ورفعوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون إشفاقا لغضبه ، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات ، وفي رواية سبعة أطواف يسترضون ربهم ، فرضى عنهم وقال لهم : ابنوا لي في الأرض بيتا ، يعوذ به كل من سخطت عليه من خلقي ، فيطوف حوله كما فعلتم بعرشى ، فأغفر له كما غفرت لكم ، فبنوا البيت الحرام « 1 » . قال العلامة عماد الدين ابن كثير رحمه اللّه : قول الملائكة عليهم السلام : أَ تَجْعَلُ فِيها ( سورة البقرة : 30 ) الآية سؤال على وجه الاستكشاف والاستعلام على وجه الحكمة ، لا على وجه الاعتراض والتنقص لبنى آدم والحسد لهم . كما توهمه بعض جهلة المفسرين « 2 » .

--> ( 1 ) إخبار الكرام ص 117 . ( 2 ) البداية والنهاية ج 1 ص 79 .